ابن العربي
608
أحكام القرآن
وفي الصحيح ، عن عائشة « 1 » : ما طال علىّ ولا نسيت : القطع في ربع دينار فصاعدا . وهذا نصّ . وقال أبو حنيفة « 2 » : لا قطع في أقل من عشرة دراهم ، وروى أصحابه في ذلك حديثا قد بيّنا ضعفه في مسائل الخلاف وشرح الحديث . فإن قيل : قد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : لعن اللّه السارق يسرق الحبل فتقطع يده [ ويسرق البيضة فتقطع يده ] « 3 » . قلنا : هذا خرّج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير ، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل عن « 4 » الكثير في قوله صلى اللّه عليه وسلم : من بنى للّه مسجدا ولو مثل مفحص قطاة « 5 » بنى اللّه له بيتا في الجنة . وقيل : إن هذا مجاز من وجه آخر ؛ وذلك أنه إذا ظفر « 6 » بسرقة القليل « 7 » سرق الكثير فقطعت يده ؛ فبهذا تنتظم الأحاديث ، ويجتمع المعنى والنص في نظام الصواب . المسألة الثامنة - ومنه كلّ مال يسرع إليه الفساد من الأطعمة والفواكه ؛ لأنه يباع ويبتاع وتمتدّ إليه الأطماع ، وتبذل فيه نفائس الأموال . وشبهة أبي حنيفة ما يؤول إليه من التغير والفساد ، ولو اعتبر ذلك فيه لما لزم الضمان لمتلفه . المسألة التاسعة - ومنه كلّ ما كان أصله على الإباحة ؛ كجواهر الأرض ومعادنها ، وشبه ذلك ؛ لأنه كان مباح الأصل ، ثم طرأ عليه الملك ، فتنتصب إباحة أصله شبهة في إسقاط القطع بسرقته . قلنا : لا تضر إباحة متقدمة إذا طرأ التحريم ، كالجارية المشتركة بين قوم ، فإن وطأها حرام يوجب الحدّ عند خلوصها لأحدهم ، ولا توجب الإباحة المتقدمة شبهة . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : لا قطع في ثمر ولا كثر « 8 » إلا ما أواه الجرين . رواه النسائي .
--> ( 1 ) الموطأ : 832 ، وأحكام الجصاص : 4 - 64 ، وسنن الترمذي : 4 - 50 . ( 2 ) وارجع إلى أحكام الجصاص : 61 - 65 . ( 3 ) من ل ، والقرطبي . وانظر البخاري : 1314 ( 4 ) في ل : في ، وفي القرطبي : مجرى . ( 5 ) مفحص القطاة : حيث تفرخ فيه من الأرض . ( 6 ) في القرطبي : ضري . ( 7 ) في ل : بسرقة الحبل والبيضة . ( 8 ) في القرطبي : لا قطع في ثمر معلق ، ولا في حريسة جبل فإذا أواه المراخ أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن . والكثر : الجمار ، وانظر ابن ماجة : 839 ، وأحكام الجصاص : 4 - 66 ، والترمذي : 4 - 52 .